ما هي رسالة
الإسلاميين اليوم؟
بقلم: د/ ناجح إبراهيم
على الحركة الإسلامية ألا تظن أنها أتت إلي الحكم لتعلم الشعب المصري الإسلام من
جديد, وكأن هذا الشعب المتدين بطبعه وفطرته لم يكن يعرف الإسلام الحق من قبل, أو
لم يفهمه, أو لم يكن مكتمل الإسلام, فإذا فعلت ذلك ستقع في خطأ كبير, فهناك من
بين أبناء الشعب المصري العادي من هم أعمق فهما ً للإسلام وأكثر تطبيقا ً لمبادئه
من بعض الإسلاميين, فالإسلام مستقر في نفوس الشعب المصري منذ قديم الزمن, وقد كان
آباؤنا وأجدادنا أفضل وأعمق تدينا ً منا, وكذلك كانت أمهاتنا وجداتنا أعمق إدراكا
ً لمعاني الإسلام من كثير منا, حتى وإن لم يستطع هؤلاء أن يعرفوا الأدلة على كل
حكم فيه.
فقد يكونوا أكثر توكلا ً ويقينا ً منا, رغم أنهم لا يعرفون دليلا ً واحدا ً على
وجوب التوكل على الله, وقد يكونوا أكثر حلما ً وصبرا ً وأناة منا, رغم أنهم لا
يستطيعون ذكر دليل واحد على أهمية هذه الأخلاق.
و لذا ينبغي على الإسلاميين أن يدركوا أنهم جاءوا إلي الحكم لخدمة الشعب المصري وحل
مشاكله, وإزالة الفساد الذي تفشى في مؤسسات الدولة, وإقامة العدل بين القريب
والبعيد, والمسلم والمسيحي, والإسلامي والليبرالي.
فالعدل أهم ما يحتاجه المصريون اليوم من الإسلاميين وهم في سدة الحكم, والعدل هو
القيمة العظمى التي يحتاجها المصريون, سواء كان عدلا ً سياسيا أو اجتماعيا ً.
فبالعدل قامت السموات والأرض, ولأجله أنزل الله الكتب وأرسل الرسل وأقام الموازين
يوم القيامة, وإزالة الديكتاتورية التي غلبت على كل من يجلس على أي كرسي في مصر.
نريد أن نأكل من ثمار أرضنا لا من غراس غيرنا, وأن نلبس من نسيج مصانعنا, وإذا
أغار علينا عدونا لا نطلب السلاح من الآخرين, وهيهات أن يأتي منهم, لأنه من مصانع
المغيرين أو من حلفائهم, أن نحيي الإنسان المصري مرة أخرى ونعيد له كرامته
المفقودة.
وأن نعطي للآخرين نموذجا ً للدولة الحديثة التي تجمع بين ثوابت الإسلام ومفاهيم
الدولة العصرية الحديثة.
وأن نقبل محاسبة ونقد المصريين لنا دون أن تأخذنا الحساسية الدينية, أو أن نصف كل
ناقد لنا أنه يعادي الإسلام أو يحارب الحكم الإسلامي.
فالإسلام يختلف عن الحركة الإسلامية والإسلام يختلف عن الحكم الإسلامي, فالأول
معصوم, والثاني غير معصوم.
وأن نفرق بين التعاليم المعصومة والتطبيقات التي تحتمل الصواب والخطأ, وأن نعالج
عشرات العلل المحلية والوافدة التي نخرت في الكيان المصري.
وأن نعلم أننا لسنا أسيادا ً للناس لأننا وصلنا للحكم بل خدم للشعب المصري العظيم
الذي يمثل قاعدتنا العريضة وذخيرتنا الإستراتيجية التي لا نستغني عنها أبدا ً.
وأن نقدم الأكفأ والأصلح والأمين لا أن تأتي كل جماعة بأتباعها إلي كراسي الحكم حتى
وإن كانوا أقل كفاءة وصلاح من غيرهم, وأن نعيد بناء الأمة المصرية التي أوشكت أن
تتحول إلي أنقاض.
وأن نقاوم التكاسل والشللية والنفعية وتقديم الثقات, وكل هذه الأدواء أصابت كل
المجتمع المصري بلا استثناء, ولم تصب مؤسسة الحكم فقط.
وأن نقاوم رغبة الموظف المصري العارمة في خصخصة وظيفته لنفسه وجيبه وأسرته.
وأن نقاوم التوريث الذي ضرب المجتمع المصري كله في مقتل, بدء ً من المصنع والقضاء
والنيابة والتدريس في الجامعات والبترول والكهرباء, ولم يصب مؤسسة الرئاسة فحسب.
وكل ذلك يحتاج إلي تقوى القلوب أكثر من علم تمضغه الألسنة ولا مردود له في النفوس
والأفئدة والواقع العملي, حتى أصبح التدين المصري ظاهره أقوى من باطنه, وشكله
أفضل من مضمونه, مع أن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه
" وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ",
هذه هي رسالة الإسلاميين الآن بعد أن حصلوا على أغلبية البرلمان المصري, وهي
تكليف لا تشريف, وتحتاج إلي من وصفهم الله بقوله:
" إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ
الْقَوِيُّ الْأَمِينُ".