Linz-arab.com

الصفحه الرئسيه اضغط هنا

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الإخوة الأفاضل!

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته

اسمحوا لي في البداية أن أتوجه بالشكر للأخ العزيز الدكتور حمدي مصطفى ورفاقه في الرابطة المصرية للثقافة والاندماج على دعوتهم الكريمة، وما تحملوه من مشقة وبذلوه من جهود لتمكيننا من هذا التجمع الذي نأمل أن يكلل بالنجاح.

كما يسرني أن أتوجه لكم جميعا- سواء المتحدثين أو المشاركين في الحوار- بالشكر على حضوركم اليوم لنتشارك في جلسة حوار - من القلب- بين مواطنين مصريين متساوين في الحقوق والواجبات، نحرص على النهوض بوطننا الذي ندين له بكل فضل، ونسعى لإعلاء شأنه ومكانته بين الأمم.

الإخوة الكرام!

إن التنوع والاختلاف من مكونات هذه الحياة، وأنهما من سنة الله في خلقه فهو سبحانه وتعالى الذي خلقنا شعوبا وقبائل لنتعارف. والتعارف هنا ليس التعارف السطحي البسيط، بقدر ما هو تبادل المصالح والمعارف والعلوم والتجارب فيما بيننا، ومن ثم نركز تعاوننا على المشترك فيما بيننا ونعظم قيمته كي نواجه معا ما قد نتعرض له من مشاكل وعقبات، لنحقق لشعوبنا ومجتمعاتنا ما تصبو إليه من تقدم وأمن وأمان وسلام. لأن الأصل في الحياة هو الاستقرار والسلام والأمان والبناء والتعمير، أما الحروب والاقتتال والتدمير فهي الاستثناءات من القاعدة. لذلك كان السلام جوهر التحية التي حثنا الله على أن نحيّي أنفسنا وغيرنا بها.

أود في هذا المقام أن أشير في إيجاز إلى تجربة النمسا التي نعيش على أرضها وبين شعبها في تحقيق السلام الاجتماعي بين طوائف شعبها، لقد عانت هذه البلاد في العصور الوسطى من حروب دينية ومذهبية، تغير فيها مذهب البلاد من الكاثوليكية إلى البروتستنتية ثم إلى الكاثوليكية، وسقط مئات الآلاف ضحايا لتلك الحروب الدينية والتعصب والاضطهاد المذهبي، وفي العصر الحديث عانت من الحكم النازي الذي انفرد بالسلطة وهيمن على أمور البلاد، فأقصي الآخر بقسوة وفظاعة لم يشهد لهما التاريخ مثيلا، وامتدت شرور ذلك النظام العنصري ليسقط ملايين من الضحايا، ويحدث الدمار والخراب في أرجاء كثيرة من العالم.

وإذا سألنا أنفسنا عن سبب سقوط وانهيار النظام النازي وغيره من النظم الفاشية أو الشمولية، لأدركناه في إنكار تلك الأنظمة لسنة الاختلاف والتعدد والتنوع التي فطر الله الناس عليها، والانحياز والتعصب الأعمى لعنصر أو عرق بشري أو أيدلوجية دينية أو سياسية، وإعلائها على من أو ما سواها.

إننا هنا نعيش في دولة تكفل حرية العقائد وممارسة شعائرها لغير المسيحيين الذين يشكلون أغلبية الشعب النمساوي، كما نتابع حاليا مفاوضات تشكيل حكومة ائتلافية من حزبين أحدهما مسيحي الهوية والآخر علماني، لكنهما يتفاوضان على سبل تحقيق مصالح وطنهما ومنافع أغلبية شعبهما، دون لجوء إلى عنف أو تكفير الآخر أو تحقيره، فالكنائس المسيحية والمساجد الإسلامية والمعابد اليهودية والبوذية، وغيرها مفتوحة لأتباع كل هذه الديانات وغيرها، في ظل حكومات اشتراكية أو مسيحية كانت أو غير مؤمنة!  

الإخوة الكرام!

لقد سبق أن كتبت عددا من المقالات، تناولت فيها الشأن المصري، منها ما كان تحت عنوان: "تعالوا نتصارح" وأخرى:"تعالوا نتصالح"، ثم "تعالوا نتشارك"، ومقال آخر بعنوان "كلنا مذنبون".

 لماذا ؟ لأننا لم نسع إلى المصارحة، ومن ثم تعذرت المصالحة، ثم أصبحت المشاركة ضربا من الخيال، إذ كيف يتشارك متقاتلون ومتعصبون ومتشددون. لقد بلغ بنا – كلنا- التطرف مبلغه، واخذ كل منا يتفنن في إضعاف الآخر وتقزيمه، والسعي إلى عزله.

تعالوا نلقي معا نظرة محايدة على أوضاع مصر والمصريين – داخل مصر وخارجها- لنجد مجتمعا – بل أسرا - منقسمة مستقطبة متعصبة، يحتقر كل طرف الطرف الآخر ويحقره، كل يدعي امتلاكه وحده ودون سواه للحقيقة المطلقة، ولا مجال لمساحة توافق على قواسم مشتركة.

-  فبعضنا يريد دولة لكل مواطنيها، الدين فيها لله والوطن للجميع، لا سلطة فيها لرجل دين بعينه أو مذهب دون آخر، وإنما للشعب باعتباره مصدر كل السلطات، كما تنتهج الدول الحديثة، وأن تبقى علاقة الفرد الدينية مع ربه، وعلاقته المجتمعية في إطار القواعد والأخلاق التي يتوافق عليها المجتمع بكل فئاته وطوائفه، كغيرنا من شعوب العالم، عملا بمبدأ "لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين"!

-  وبعضنا يقاتل من أجل تديين السياسة وتسييس الدين، ويدعي امتلاك التفويض الإلهي في الحكم، ويصنفون غيرهم بمعايير دينية مطلقة، فمن معهم مع الله، ومن ليس معهم ضد الله، وهذا في رأيي المتواضع مبالغة في فهم الدين قد يصل إلى حد انتهاك مبدأ التعدد والاختلاف، واجتراء على الله ورسوله. لماذا؟

·  لأن الله تعالى سمح لنا بالاختلاف عليه، فقال في سورة "الكافرون" قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين". أي أن الله تعالى اعتبر الكفر به دينا وعقيدة للكافرين، وترك سبحانه وتعالى للناس حرية الاختيار بين الإيمان والكفر به.

·  ثم أو ليس الله هو القائل: " قل الحق من ربكم، فمن شاء فيلؤمن ومن شاء فليكفر" (سورة الكهف الآية 29)!

·  ألم يحصر الله وظيفة الأنبياء والرسل في التبليغ وليس الوصاية والهيمنة والسيطرة. وهذا قول الله تعالى في سورة المائدة:" وما على الرسول إلا البلاغ" ( الآية 99) ، ثم قوله سبحانه وتعالى في سورة الغاشية:" فذكّر، إنما أنت مذكّر، لست عليهم بمصيطر"!  (الآيتان 21 و 22).

·  ثم ألم يوضح الله تعالى أسلوب الدعوة إلى دينه والحوار مع الآخر بقوله تعالى:" ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن". ( سورة النحل، الآية 125).

·  وبالتالي، ألا يقر الله تعالى حق وحرية الإنسان المتلقي في الاختيار بالقبول أو الرفض في الدنيا، ليتحمل مسئولية اختياره في الآخرة حين يقول في سورة سبأ: " قل من يرزقكم من السماوات والأرض. قل الله، وإنّا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين* قل لا تسألون عمّا أجرمنا، ولا نسأل عما تعملون". ( سبأ، الآيتان 24 – 25)

·  إن الله الذي خلق الإنسان وكرمه بقوله " ولقد كرمنا بني آدم" ( سورة الإسراء – الآية 70). إذن كل بني آدم دون استثناء مكرمون من خالقهم، أتاح لهم حرية الاختيار وقال" لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي" (سورة البقرة – الآية 256)؛ فلا هيمنة، أو وصاية، أو تسلط لأحد على آخر في دينه، لأن الهيمنة والوصاية والتسلط في الدين يؤدون إلى تقديس الذات وتعظيمها وإعلائها على سواها، ومن ثم استحلال القهر والاستخفاف بالغير وتحقيره، وهو الدكتاتورية في أقبح صورها، لما فيها من الحكم على ضمائر ونيات الناس التي لا يعلمها إلا الله، وفتح باب النفاق في الدين خوفا من بطش المتسلط وملاحقته، بالإضافة إلى أنها تسلط بغير إذن من الله، لأن الاختلاف في الدين لا يمثل أو يشكل ضررا عليك أو على غير أتباع دينك.

·  إن العلاقة في الدين بين العبد وربه تعني العبادة، أما علاقة الإنسان مع غيره من البشر، فهي المعاملة، وحينئذ تخضع المعاملة بين الناس، فرادى، أو جماعات، من دين واحد، أو مختلفي الديانات، لقواعد المتعاملين بالتراضي والتوافق فيما بينهم، لأننا هنا أمام معاملات وتعاملات بين بشر تختلف وتتباين مفاهيمهم وثقافاتهم وقدراتهم وتطلعاتهم، لكنهم يتواصلون ويتفاعلون في إطار عقد اجتماعي وأخلاقي يتوافق عليه أطراف المجتمع.

·  ألم يقل رسول الله "صلى الله عليه وسلم" بأن الدين المعاملة"، وما رأيكم في قوله عليه السلام:" لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تتحابّوا؟" نعم إنه الحب الذي لا مكان له في قلوب كثير منا، وبغياب الحب يغيب التسامح والتسامي والسلام، وهذا يتعارض مع دعوة رسولنا الكريم لنا بقوله: افشوا السلام بينكم"!

·       أيها الإخوة الكرام:

·  تعالوا نجتهد في الحياة الدنيا فيما بيننا- بالحسنى- لتحسين ظروف المعيشة لشعبنا، وتحقيق العدالة الاجتماعية، فنحارب الفقر، ونطور التعليم، ونتيح سبل العلاج لكل المصريين، ونحقق الازدهار للوطن والشعب، ونعود كما كنا شعاعا للحضارة الإنسانية، نحمي حقوق الإنسان المصري ونصون كرامته، ونعلي قيمته في وطنه ومحيطه الإقليمي والعالم.

·  دعونا ندع الخلق للخالق سبحانه وتعالى في الحياة الآخرة، فهو الوحيد الذي يمتلك حق المساءلة والثواب والعقاب، ولا أحد منا غيره سيجزي كل إنسان بما عمل، فـ"لا تزر وازرة وزر أخرى" ( سورة فاطر- الآية 18).

·        دعونا نقر بتعددية الآراء والعقائد، والتوجهات في بلادنا، ودعونا نقر بوجود اختلافات، بل وخلافات بيننا.

·  تأملوا معي قول الله تعالى:" إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا، إن الله يفصل بينهم يوم القيامة، إن الله على كلّ شيء شهيد". (الحج 17).

·  نعم لم يقل الله تعالى بأنه سيفصل فقط فيما اختلف فيه المسلمون السنة والشيعة أو المسيحيين الأقباط الأرثوذكس، والكاثوليك، أو بين المسلمين والمسيحيين، بل بين كل البشر باختلاف عقائدهم. لم يقل الله كذلك أنه سيحاسب دولة مصر على دينها، بل سيحاسب المصريين، من آمن منهم ومن لم يؤمن، وهو وحده، ولا أحد سواه الذي سيحكم على صدق الإيمان.

·   إذا اتفقنا على أن في الاختلاف رحمة، كان من اليسير علينا أن نجعل من اختلافنا نعمة وليس نقمة، حين يمد كل منا يده للآخر، ويخطو نحوه خطوة بنية صافية وعزيمة مخلصة، فتتزاوج أفكارنا وتتكاثر جهودنا، وتتفاعل تطلعاتنا نحو مستقبل أفضل لوطننا وشعبنا.

وشكرا

حسن بارود